أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )
48
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
2 - يمرّون بالدّهنا خفافا عيابهم * ويرجعن من دارين بجر الحقائب « 1 » على حين ألهى النّاس جلّ أمورهم * فندلا زريق المال ندل الثّعالب وقوله تعالى : فَضَرْبَ الرِّقابِ هذا إذا جعلنا في « ضربا » ضميرا مستترا وأما من يقول من النحويين : إنه لا يتحمل ضميرا البتة فلا يكون من المسألة في شيء . والضابط فيما يجب استتاره - وإن عرف من تعداد الصور المتقدمة - أن كل ضمير لا يحل محله ظاهر ولا ضمير منفصل فهو واجب الاستتار كالمواضع المتقدمة وما جاز أن يحل محله أحدهما فهو جائز الاستتار نحو : « زيد قام » في « قام » ضمير جائز الاستتار إذ يحل محله الظاهر نحو : « زيد قام أبوه » أو الضمير المنفصل نحو : « زيد ما قام إلا هو » فإن وجد من لسانهم في أحد المواضع المتقدمة الواجب فيها الاستتار ضمير منفصل فليعتقد كونه توكيدا للضمير المستتر كقوله تعالى : اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ * ف « أنت » مؤكد لفاعل « اسكن » . و « باللّه » جار ومجرور . وكذلك « من الشيطان » وهما متعلقان ب « أعوذ » . ومعنى الباء الاستعانة و « من » التعليل أي : أعوذ مستعينا باللّه من أجل الشيطان . ويجوز أن تكون « من » لابتداء الغاية ولهما معان أخر ستأتي إن شاء اللّه تعالى . وأما الكلام على الجلالة فيأتي في البسملة . والشيطان : المتمرد من الجن . وقال أبو عبيدة « 2 » : « الشيطان اسم لكل عارم من الجن والإنس والحيوانات وقد يطلق على كل قوة ذميمة في الإنسان » . قال عليه السّلام : « الحسد شيطان والغضب شيطان » « 3 » وذلك لأنهما ينشئان عنه . واختلف أهل اللغة في اشتقاقه فقال جمهورهم : هو مشتق من شطن يشطن أي بعد ، لأنه بعيد من رحمة اللّه تعالى وأنشدوا : 3 - نأت بسعاد عنك نوى شطون * فبانت والفؤاد بها رهين « 4 » وقال آخر : 4 - أيّما شاطن عصاه عكاه * ثمّ يلقى في السّجن والأكبال « 5 »
--> ( 1 ) هو أعشى همدان كما في العيني ( 3 / 46 ) ، وذكر العيني أيضا أنه يروي للأحوص ورواه الجوهري لجرير وهما في ديوانه ( 215 ) . وانظر الكتاب ( 1 / 115 - 116 ) ، الخصائص ( 1 / 120 ) ، أوضح المسالك ( 248 ) ، شرح شواهد الألفية ( 164 ) . ( 2 ) معمر بن المثنى البصري أبو عبيدة مولى بني تيم ؛ تيم قريش ، رهط أبو بكر الصديق أول من صنف في غريب الحديث ، توفي سنة تسع ، وقيل : ثمان ، وقيل : عشر ، وقيل : إحدى عشرة ومائتين . البغية ( 2 / 296 ) . ( 3 ) إسناده ضعيف ، أخرجه في المسند ( 4 / 226 ) ، وأبو نعيم في الحلية ( 2 / 130 ) ، والبخاري في التاريخ ( 7 / 8 ) ، وذكره العراقي في تخريجه على الأحياد ، وسكت عنه وذكره العجلوني في الكشف ( 2 / 103 ) ، وابن القيسراني في تذكرته ( 1092 ) . ( 4 ) البيت للنابغة الذبياني انظر ديوانه ( 20 ) ، الطبري ( 1 / 112 ) ، اللسان م « شطن » . ( 5 ) البيت لأمية بن أبي الصلت ، انظر ديوانه ( 51 ) ، البحر المحيط ( 1 / 62 ) ، الطبري ( 1 / 112 ) ، اللسان م ( شطن ) و ( عكا ) ، وعكاه في الحديد والوثاق : شده شدّا وثيقا ، والأكبال جمع كبل وهو القيد من الحديد .